حفيظ مينو 3 أيار 2026
لم أكن أعرف الدكتور ضياء العوضي قبل وفاته، أقصد لم أسمع به ولم أسمع له أصلا، وحتى عندما أصبح اسمه متداولا على نطاق واسع لم أهتم بالأمر كثيرا.
غير أن أحد أفراد أسرتي تأثر بأفكاره وبدأ يطبق ما كان يسميه بـ«نظام الطيبات»، فدفعني الفضول إلى البحث عنه، وعن طبيعة خطابه وأفكاره.
اكتشفت أنه طبيب مختص في التخدير، وليس متخصصا في علم التغدية، وأستاذ مساعد بقسم الرعاية المركزة وعلاج الألم بجامعة عين شمس المصرية.
بدأت أتابع مقاطع الفيديو الخاصة به، وحواراته مع القنوات المصرية، وركزت بشكل خاص على طريقة حديثه، وعلى الفارق بين ظهوره أمام وسائل الإعلام المصرية من جهة وبين حديثه المباشر عبر منصاته الخاصة. كنت أراقب طريقة الربط بين أفكاره، وكيفية تقديمه لنفسه باعتباره صاحب رؤية مختلفة.
خلاصة ما وصلت إليه أن ما سماه «نظام الطيبات» كان اسما شديد الجاذبية، قادرا على استقطاب أتباع كثيرين، لكنه ـ في نظري ـ نظام غير مكتمل، رغم احتوائه على بعض الحقائق المهمة. ولو امتد به العمر، لربما أضاف أشياء أخرى إلى قائمة «الخبائث» و«الطيبات»، لأن منطقه كان قابلا للتوسع بلا حدود واضحة.
صحيح أن المشروبات الغازية مضرة، وأن الدقيق المكرر مضر، وأن الدجاج في عصرنا لم يعد طبيعيا كما كان، بسبب الحقن والعلف الصناعي والتربية المكثفة، لكن الإنسان في الأصل كائن قارت، يجمع بين أكل النبات واللحم. فالإنسان البدائي، قبل الثورة الزراعية، كان يعتمد على الصيد وقطف الثمار، ولم يكن نظامه الغذائي قائما على نوع واحد فقط.
كما أن البشر يختلفون باختلاف البيئات التي عاش فيها أسلافهم؛ فهناك من عاش أجداده في الغابات يعتمدون على الثمار والفرائس، وهناك من عاشوا في الصحارى يعتمدون على اللحوم والألبان، وآخرون عاشوا قرب السواحل معتمدين على الأسماك والزراعة. لذلك يبدو من الصعب اختزال الغذاء المثالي في نموذج واحد يصلح للجميع.
الخضر الطبيعية غير المهجنة تبدو ضرورية للجسم، لأن تطور الإنسان عبر آلاف السنين ارتبط أيضا بتناول النباتات.
غير أن سؤالا محيرا يطرح نفسه: ماذا عن كثير من الخضر والفواكه التي ظهرت بعد الثورة الزراعية بآلاف السنين؟ هل تأقلم جسد الإنسان معها بشكل كامل؟ لا أملك جوابا قاطعا، وربما كان الدكتور ضياء محقا جزئيا في بعض هذه التساؤلات.
دعوني أحكي عن تجربتي
عشت سنوات في مدينة السمارة وهي طبعا منطقة صحراوية، ورأيت بأم عيني أناسا لم يتذوقوا طوال حياتهم الفلفل أو الطماطم أو البطاطس أو البطيخ... وكان غذاؤهم قائما أساسا على لحم الإبل، ولبنها، والشعير، والذرة، والشاي بالسكر وأحيانا الارز.. ومع ذلك كانوا يعيشون أعمارا طويلة، وتجد الرجل في الثمانين أو أكثر ما يزال يمشي بكامل وعيه وإدراكه.
لكن، رغم كل ذلك، لا أستطيع القول إن الدكتور ضياء كان على صواب بشكل كامل، خاصة حين شجع على استهلاك السكر بكميات كبيرة، أو حين تعامل بخفة مع التدخين، رغم أن أخطاره مثبتة علميا، إلى درجة أن شركات التبغ نفسها مجبرة قانونيا على التحذير من كونه سببا رئيسيا للسرطان والموت.
أما من الناحية النفسية والفكرية، فقد بدا لي الدكتور رجلا شديد الذكاء، لكنه وظف هذا الذكاء في مسار أقرب إلى النزعة اللاهوتية؛ إذ كان يتحدث أحيانا وكأنه اكتشف حقيقة خفية لا يعرفها سواه. وهذه الحالة قد تدفع بعض الأشخاص إلى الإحساس بأنهم أصحاب رسالة استثنائية، أو أنهم يمتلكون سرا غائبا عن الآخرين.
كان لافتا في حديثه أنه نادرا ما ابتسم، إذ كانت ملامحه يغلب عليها قدر كبير من الجدية، أشبه بشخص يؤمن إيمانا مطلقا بأنه يحمل رسالة لا تقبل الجدل ولا تحتمل المعارضة. كان يتحدث بثقة المعلم الذي يرى نفسه مالكا للحقيقة، بينما يضع المستمع في موقع المتلقي الذي عليه أن يقتنع لا أن يناقش.
ولم يكن يتقبل النقد بسهولة، بل كان يميل أحيانا إلى مهاجمة من يعارضه أو حتى من يعلّق على بعض كلماته بتفسير مختلف. وكثيرا ما تحولت ردوده إلى نوع من السخرية أو الشتائم تجاه من يعتقد أنهم لا يفهمون ما يقول أو يشككون في أفكاره.
ومن خلال تجاربي في الحياة، بدا لي أن هذه الطريقة في التفكير لا تكون مجرد أسلوب أمام الكاميرا فقط، بل تتحول مع الوقت إلى حالة يعيشها الإنسان حتى في عزلته، حين يقتنع بأنه يمتلك حقيقة استثنائية لا يراها الآخرون، هذا من جهة.
من جهة أخرى، لا يمكن الجزم بحقيقة ما حدث له في النهاية، وإن كنت أميل شخصيا إلى ترجيح فرضية الانتحار. فبعض تصريحاته الأخيرة بدت مقلقة، حتى وإن كان ظاهرها يحمل معنى معاكسا. وغالبا ما تصدر مثل هذه التلميحات عن أشخاص يعيشون اضطرابات نفسية حادة، خصوصا حين يبدأ الإنسان في الربط بين فكرة الانتحار والاغتيال، أو حين يتحدث وكأنه مستهدف من قوى خفية تتحكم في مجريات الأمور.
وقد ساهمت تلك التصريحات في تغذية خيال أتباعه بعد وفاته، فاعتبر كثير منهم أن موته لم يكن طبيعيا، بل نتيجة “اغتيال” من جهات نافذة، فقط لأنه لمح إلى ذلك في حياته. وهكذا تحولت وفاته، في نظرهم، إلى جزء من الأسطورة نفسها، وأصبح الرجل عند بعضهم شخصية تتجاوز حدود الواقع، يختلط فيها الإعجاب بالإيمان، والحقيقة بالرمزية من حيث لا يحتسبون.
ولو عاش في عصور سابقة، لربما تحول إلى رمز ديني أو شخصية مقدسة عند أتباعه، لأن الناس كثيرا ما يربطون بين الموت الغامض وبين القداسة. فحين يموت شخص بطريقة مأساوية أو مثيرة للجدل، يصبح أكثر تأثيرا في الوعي الجماعي، ويبدأ أتباعه في الدفاع عن أفكاره بإيمان عاطفي يتجاوز النقاش العلمي... نموذج موت عيسى وأتباع الديانة المسيحية، نموذج موت الحسين وأتباع الديانة الاسلامية الشيعية.
في النهاية، لا يوجد نظام غذائي مقدس يصلح لكل البشر. مريض السكري لا يستطيع تجاهل حقيقة مرضه بحجة العودة إلى «الطبيعة»، ومن يعاني من الكوليسترول لا يمكنه الإفراط في اللحوم دون عواقب. كما أن فوائد الخضر والفواكه الطبيعية لا يمكن إنكارها علميا.
وربما تكمن المشكلة الحقيقية في تحويل أي فكرة غذائية أو صحية إلى عقيدة، وتحويل صاحبها إلى شخصية فوق النقد، بينما الحقيقة أكثر تعقيدا، والإنسان أكثر اختلافا مما نتصور.

0 التعليقات :
إرسال تعليق